مجمع البحوث الاسلامية

159

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ولذلك كانوا ينسبون إليه السّيّئة وهو صلّى اللّه عليه وسلّم بريء من أسبابها ، دع إيجادها وإيقاعها . ( 5 : 267 ) عزّة دروزة : ( حسنة ) هنا بمعنى النّعمة والخير والخصب والنّصر . ( 9 : 113 ) الطّباطبائيّ : جملتان أخريان من هفواتهم حكاهما اللّه تعالى عنهم ، وأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله أن يجيبهم عنهما ببيان حقيقة الأمر فيما يصيب الإنسان من حسنة وسيّئة . واتّصال السّياق يقضي بكون الضّعفاء - المتقدّم ذكرهم - من المؤمنين هم القائلون ذلك ، قالوا ذلك بلسان حالهم أو مقالهم ، ولا بدع في ذلك فإنّ موسى أيضا جبّه بمثل هذا المقال ، كما حكى اللّه سبحانه ذلك بقوله : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ الأعراف : 131 ، وهو مأثور عن سائر الأمم في خصوص أنبيائهم ، وهذه الأمّة في معاملتهم نبيّهم لا يقصرون عن سائر الأمم ، وقد قال تعالى : تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ البقرة : 118 ، وهم مع ذلك أشبه الأمم ببني إسرائيل ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « إنّهم لا يدخلون جحر ضبّ إلّا دخلتموه » وقد تقدّم نقل الرّوايات في ذلك من طرق الفريقين . وقد تمحّل في الآيات أكثر المفسّرين بجعلها نازلة في خصوص اليهود أو المنافقين أو الجميع من اليهود والمنافقين ، وأنت ترى أنّ السّياق يدفعه . وكيف كان فالآية تشهد بسياقها على أنّ المراد بالحسنة والسّيّئة : ما يمكن أن يسند إلى اللّه سبحانه ، وقد أسندوا قسما منه إلى اللّه تعالى وهو الحسنة ، وقسما إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وهو السّيّئة ، فهذه الحسنات والسّيّئات هي الحوادث الّتي كانت تستقبلهم بعد ما أتاهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأخذ في ترفيع مباني الدّين ونشر دعوته وصيته بالجهاد ، فهي الفتح والظّفر والغنيمة فيما غلبوا فيه من الحروب والمغازي ، والقتل والجرح والبلوى في غير ذلك ، وإسنادهم السّيّئات إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في معنى التّطيّر به ، أو نسبة ضعف الرّأي ورداءة التّدبير إليه . فأمر تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بأن يجيبهم بقوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فإنّها حوادث ونوازل ينظّمها ناظم النّظام الكونيّ ، وهو اللّه وحده لا شريك له ؛ إذ الأشياء إنّما تنقاد في وجودها وبقائها جميع ما يستقبلها من الحوادث له تعالى لا غير ، على ما يعطيه تعليم القرآن . ثمّ استفهم استفهام متعجّب من جمود فهمهم وخمود فطنتهم من فقه هذه الحقيقة وفهمها ، فقال : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً . ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ، لمّا ذكر أنّهم لا يكادون يفقهون حديثا ثمّ أراد بيان حقيقة الأمر ، صرف الخطاب عنهم لسقوط فهمهم ، ووجّه وجه الكلام إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وبيّن حقيقة ما يصيبه من حسنة أو سيّئة لذاك الشّأن ، وليس للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في نفسه خصوصيّة في هذه الحقيقة الّتي هي من الأحكام الوجوديّة الدّائرة بين جميع الموجودات ، ولا أقلّ بين جميع الأفراد من الإنسان من مؤمن أو كافر ، أو صالح أو طالح ، ونبيّ أو من دونه . فالحسنات وهي الأمور الّتي يستحسنها الإنسان بالطّبع كالعافيه والنّعمة والأمن والرّفاهية ، كلّ ذلك من